ابن ميمون

68

دلالة الحائرين

يفهم ذلك المعنى أبدا ، ولو فهّم له بكل عبارة وبكل مثل وفي أطول مدة لا ينفذ ذهنه فيه بوجه ، بل ينبو ذهنه عن فهمه . وهذا التفاضل أيضا ليس هو للا نهاية ، بل للعقل الانساني حد ، بلا شك ، يقف عنده . فثم أشياء يتبين للانسان امتناع إدراكها ولا يجد نفسه متشوقة إلى علمها الشعورة بامتناع ذلك ، وأن لا باب يدخل منه للوصول إلى هذا كجهلنا بعدد كواكب السماء . وهل هي زوج أو فرد ، وكجهلنا بعدد أنواع الحيوان والمعادن والنبات وما أشبه ذلك . وثم أشياء يجد الانسان شوقه إلى إدراكها عظيما وتسلط العقل عل طلب حقيقتها والبحث عنها موجود في كل فرقة نظّارة من الناس ، وفي كل زمان . وفي تلك الأشياء تكثر الآراء ويقع الاختلاف بين الناظرين ، وتحدث الشبه من اجل تعقل العقل بإدراك تلك الأشياء ، اعني الشوق إليها ، وكون كل أحد يظن أنه قد وجد طريقا يعلم به حقيقة الأمر ، وليس في قوة العقل الانساني أن يأتي على ذلك ببرهان ، لأن كل شيء علمت حقيقته ببرهان لا اختلاف فيه ولا مجاذبة ولا ممانعة الا من جاهل يعاند العناد الّذي يسمى العناد البرهاني ، كما تجد أقواما يعاندون « 935 » في كرّية الأرض وكون الفلك مستديرا ونحو ذلك . فهؤلاء لا مدخل لهم في هذا الغرض . وهذه الأمور التي وقعت فيها هذه الحيرة كثيرة جدا في الأمور الإلهية وقليلة / في الأمور الطبيعية ومعدومة في الأمور التعليمية . قال الإسكندر الافروديسى : إن أسباب الاختلاف في الأمور ثلاثة : أحدها : حب الرئاسة والغلبة الصادّان « 936 » للانسان عن إدراك الحق على ما هو عليه . والثاني : لطافة الامر المدرك في نفسه وغموضه وصعوبة إدراكه .

--> ( 935 ) يعاندون : ج ، عاندوا : ت ، ( 936 ) الصادّان : ت ، الصاديقين :